نصر حامد أبو زيد
5
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
مقدمة تعد كثير من أفكار هذه الدراسة ثمرة لتفاعل خصب مع طلاب قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة ، سواء في الجامعة الأم أو في فرع الخرطوم بالسودان الشقيق . وقد أتيح لي من خلال المشاركة في تدريس مادتي « القرآن والحديث » و « البلاغة العربية » أن أقوم مع الطلاب باختبار مجموعة من الفروض تدور كلها حول « القرآن » من جوانبه المختلفة . وكان النهج الذي سرنا عليه هو قراءة ما كتبه القدماء عن الموضوع أولا ، ثم مناقشة آرائهم من خلال منظور معاصر ثانيا ، وذلك بعد فهمها واستيعابها . وبقدر ما كان هذا النهج مرهقا للطلاب بقدر ما أبرز قدرتهم على الحوار والنقد . ولكن الأهم من ذلك أن هذا النهج قد ساعد على بلورة كثير من الفروض التي كنا نحاول اختبارها ، وهي الفروض التي قامت هذه الدراسة على كثير منها . وذلك الحوار مع الطلاب في قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة كان يدور في دائرة من حوار أوسع مع أساتذة وأصدقاء وزملاء داخل الجامعة وخارجها . ولم يكن الحوار في هذه الدائرة الأوسع يقف عند حدود الهموم الأكاديمية ، بل كان يتناول هذه الهموم في اطار من هموم أوسع هي هموم الثقافة والوطن بشكل عام . ولعله من قبيل تحصيل الحاصل أن نقول إن اهتمامات الباحث على المستوى الأكاديمي لا تنفصل عن هموم المواطن بل تتجاوب معها . وليست الأسئلة والافتراضات التي يطرحها الباحث في أي دراسة ، في حقيقتها ، إلّا صدى - قد يبدو بعيدا وخافتا في أحايين كثيرة - لهموم المواطن على أي مستوى من المستويات . ومن المنظور الأكاديمي بالمعنى السالف تعد هذه الدراسة خطوة ثالثة على طريق درس تراثنا الفكري من منظور علاقة المفسر بالنص وجدله معه . وكانت الخطوتان السابقتان دراسة تأويل النص القرآني ، سواء كان هذا التأويل يتم على أسس عقلية كما هو الأمر عند المعتزلة ، أم كان يتم على أسس ذوقية حدسية كما هو الأمر عند المتصوفة . ولقد كان التركيز في الدراستين السابقتين ينصبّ على الآفاق الفكرية والمعرفية التي تبدأ منها عمليات التفسير والتأويل . ولذلك كان من الضروري أن يكون التركيز في هذه الدراسة على جانب النص